ابن رشد
154
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 169 ] وذلك أنه يشبه أن يكون يوجد في الحجج ما يوجد في الناس . أعني : أنه كما يوجد في الناس الفاضل التام الفضيلة ، ويوجد فيهم من دون ذلك في الفضل ، ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل وليس بفاضل ، وهو المرائي . كذلك الأمر في الحجج . أعني أن منها ما هو في غاية اليقين ، ومنها ما هو دون اليقين ، ومنها حجج مرائية ، وهي التي توهم أنها يقين وهي كاذبة . والأقاويل التي سلكتها الأشعرية في هذه المسألة ، منها « 81 » أقاويل في دفع ( 47 / و ) دليل المعتزلة ، ومنها أقاويل لهم في إثبات جواز الرؤية لما ليس بجسم ، وأنه ليس يعرض من فرضها محال . [ 170 ] فأما ما عاندوا به قول المعتزلة : أن كل مرئي فهو في جهة من الرائي . فمنهم ( - الأشاعرة ) من قال إن هذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم الغائب ، وأن هذا « 82 » الموضع ليس هو من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى الغائب ، وأنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة ، إذا كان جائزا أن يرى الإنسان « 83 » بالقوة المبصرة نفسها دون عين . [ 171 ] وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر : فإن العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة ، أعني في مكان . وأما إدراك البصر فظاهر من أمره أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة ، ولا في جهة فقط ، بل وفي جهة ما مخصوصة . ولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي ، بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضا ، وهي ثلاثة أشياء : حضور الضوء ، والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر ، وكون المبصر ذا « 84 » ألوان ضرورة . والرد لهذه الأمور المعروفة بنفسها « 85 » في الإبصار هو رد للأوائل المعلومة بالطبع للجميع ، وإبطال لجميع علوم المناظر والهندسة . [ 172 ] وقد قال القوم ، أعني الأشعرية ، إن أحد المواضع التي يجب أن ينقل فيها حكم الشاهد إلى الغائب هو الشرط ، مثل حكمنا أن كل عالم حي ، لكون الحياة تظهر في الشاهد شرطا في وجود العلم . « 86 » وإن كان ذلك ، قلنا لهم : وكذلك يظهر
--> ( 81 ) سقط من المتن " منها " . ( 82 ) سقط من المتن " هذا " وثبت في الهامش . ( 83 ) . ت : سقط " ما ليس في جهة . . الإنسان " . ( 84 ) . ت : سقط " ذا " ( 85 ) . س : سقط من المتن " بنفسها " ، وثبت في الهامش . ( 86 ) . قا : " العالم " .